اِنْحِسار الصِّحَافَة الوَرَقَيةَ وبُزُوغ وَسَائِل التواصل الإجتماعيّ

2017-01-30 07:10:42 2219

بعد هدوء أي حادثةٍ دوليةٍ، وما آلت وأفضت إليه، آن لنا أنَّ نناقش سلوكياتنا أثناء تلك الحادثة، بهدوءٍ وتروٍ مصحوبين بعقلانية، فقد بات حراكنا الإجتماعيّ، والذي يمكننا أنَّ نستشفّه من خلال وَسَائِل التواصل الإجتماعيّ، والتي ارتقت إلى أنَّ تكون أداةً تشريحية لمجتمعاتٍ يصعبُ سبر أغوارها من خلال الأدوات التقليدية، وقد نعزو ذلك؛ إلى ما يبدو أنَّه زمن اِنْحِسار الصِّحَافَة الوَرَقَيةَ بشكلٍ خاص، والإعلام التقليدي بشكلٍ عام، وبُزُوغ وَسَائِل التواصل الإجتماعيّ –الإعلام الجديد-، واختزالي للإعلام في الصِّحَافَة الوَرَقَيةَ، لأنَّها الأكثر اِنحِسارًا من أدوات الإعلام التقليدي.

 

فدعنا نعود إلى اللحظات التي تلت تداول أخبار تلك الحادثة –اختر حادثةً في ذهنك وأكمل القراءة-، وسرعان ما تجد بدأ كل فريقٍ -في العادة فريقين، فريقٌ مؤيد وفريقٌ معارض- يستجلب القوالب المُفرغة والجاهزة، لوصف الفريق المخالف لوجهة نظره، في احتقانٍ مشمئز وتطرفٍ مُخيف، يلقي بظلاله على مستقبل هذه الأمة –على خلفية إمكانية قياس وَسَائِل التواصل الإجتماعيّ لفكر مرتاديها-.

 

هذا الاحتقان وما يُصاحبه في الغالب من تطرفٍ في الفعل وردة الفعل، وأحاديّةٍ في الفكر، تستطيع أنَّ تلمسه من خلال ما تقرأه، من تخوينٍ للآخر، ناهيّك عن الوصول معه لأقذع الأوصاف وأشنعّها فقط لمجرد المخالفة الفكرية، وتقريعه بأسلوب فج لا يليق بالمنصة التي يدور من خلالها النقاش – أي وَسَائِل التواصل الإجتماعيّ -.

 

وباستجلاب ما يحدث على الأقل كما ذكرت في وَسَائِل التواصل الإجتماعيّ، عندها تكتشف أنَّ الحوارات والنقاشات، كانت تصّبُ في حدثٍ لبلدٍ ليس ببلدك، ووطنٍ ليس بوطنك، وأنت تحترق من أجل هذا، وتُخاصم من أجل ذاك، وتخسر قريبك وصديقك وزميلك وجارك؛ وأصبحت تركض وراء سرابٍ لن تجني منه إلا العار.

 

هل هي عقدة النقص؟ والتي نجد في الغيّر من يشغلها؟، صدقًا إنِّي أراها لحظات زائفة في وهمٍ وهَمٍّ، لا تكاد أنَّ تدور الساعة إلاَّ وتجد البعض ووفق تركبيتهم الإجتماعيّة، يمارسون عاداتهم في استجداء الآخر للنزول لمستوى مخجلٍ من الحوار، فقط لتحقيق انتصاراتٍ لحظية مخجلة؛ لمن يدرك أبعادها وتبعاتها.

 

فهل يعتبر الإعلام العربي التقليدي سببًا في ذلك؟ بمعالجته الضعيفة لما يدور حوله من أحداثٍ وتطوراتٍ، حتى بات في مؤخرة الركب بسبب ضعف موازنته لمعالجة مشاكل مجتمعاته. فوجدت هذه المجتمعات أنَّ وَسَائِل التواصل الإجتماعيّ هي البديل الأنجع واقتحمتها، دون أنَّ ينال ذلك من أنَّها لا تملك أبجديات التعامل والحوار والنقد والنقاش مع الغيّر الذي تختلف عنه ومعه، في المقام الأول.

 

فضلاً عن أنَّ الإعلام العربي قد غَلَبَ عليه الطابع الإقصائي، والتهميش للآخر المُختلف، حتى بات ذلك هو العنوان الأبرز، متناسبًا مع الحُقبة الزمنية الأكثر ترديًّا في مستوى الإعلام العربي، ويكفي ما وصل إليه من ألفاظٍ ومصطلحاتٍ مخجلة، يُحاول من خلالها رسم صورةٍ فاشلةٍ ووهميةٍ، يدعيّ فيها ارتفاع سقف الحريّة وابتعاده عن مقص الرقيب، والظهور بمظهرٍ يبدو من خلاله بإنَّه يجاري الإعلام الجديد المتمثل في وَسَائِل التواصل الإجتماعيّ، والذي يبدو لي بأنَّه فشل في ذلك فشلاً ذريعًا –أقصد الإعلام العربي-.

 

فهي في الغالب دائرة ندور معها، لماذا؟ لأنَّ وَسَائِل التواصل الإجتماعيّ هي الحراك الحقيقي لهذه المجتمعات في هذه المرحلة، وإنِّ كان حراكًا غير موفق أو في اتجاهٍ غير سوي، فعلينا يا أمّا تسوية الاتجاه أو تسوية السلوك.

 

ولن تجد مني في نهاية المقال حلول، فأنا لم أضع حلول؛ بل أنا مثلُك أُشخص الحالة وأرقبُ الموقف من نافذةٍ ضيقة لا يتسع أُفقها لتضمين مقالي بحلولٍ، ولكن نصف الحل كما يُقال هو معرفة ماهيّة المشكلة!